مجمع البحوث الاسلامية
825
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ونحو ذلك ، ولمّا كان تمحيص الأعمال وتقديرها لتوفية الأجر أو أخذ النّتيجة ونحوهما ، لا يخلو بحسب العادة من استعمال العدد بجمع أو طرح ، سمّي ذلك حسابا للأعمال . وإذ كان حساب الأعمال لتوفية الجزاء ، والجزاء إنّما هو من اللّه سبحانه ، فالحساب على اللّه تعالى ، أي في عهدته وكفايته ، كما قال : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي الشّعراء : 113 ، وقال : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ الغاشية : 26 ، وعكس في قوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً النّساء : 86 ، للدّلالة على سلطانه تعالى ، وهيمنته على كلّ شيء . وعلى هذا فالمراد من نفي كون حسابهم عليه أو حسابه عليهم ، نفي أن يكون هو الّذي يحاسب أعمالهم ليجازيهم ، حتّى إذا لم يرتض أمرهم وكره مجاورتهم طردهم عن نفسه . أو يكونوا هم الّذين يحاسبون أعماله حتّى إذا خاف مناقشتهم أو سوء مجازاتهم ، أو كرههم استكبارا واستعلاء عليهم طردهم . وعلى هذا فكلّ من الجملتين : ما عَلَيْكَ . . . وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ . . . مقصودة في الكلام مستقلّة . وربّما أمكن أن يستفاد من قوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ نفي أن يحمل عليه حسابهم ، أي أعمالهم المحاسبة حتّى يستثقله ؛ وذلك بإيهام أنّ للعمل ثقلا على عامله ، أو من يحمل عليه ، فالمعنى ليس شيء من ثقل أعمالهم عليك ، وعلى هذا فاستتباعه بقوله : وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ - ولا حاجة إليه لتمام الكلام بدونه - إنّما هو لتتميم أطراف الاحتمال وتأكيد مطابقة الكلام . ومن الممكن أيضا أن يقال : إنّ مجموع الجملتين ، أعني قوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ كناية عن نفي الارتباط بين النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبينهم من حيث الحساب . وربّما قيل : إنّ المراد ب « الحساب » : حساب الرّزق دون حساب الأعمال ، والمراد : ليس عليك حساب رزقهم ، وإنّما اللّه يرزقهم وعليه حساب رزقهم ، وقوله : وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ إلخ ، جيء به تأكيدا لمطابقة الكلام على ما تقدّم في الوجه السّابق . والوجهان وإن أمكن توجيههما بوجه ، لكنّ الوجه هو الأوّل . ( 7 : 102 ) عبد الكريم الخطيب : في هذا بيان كاشف لحساب النّاس عند اللّه ، وأنّهم عنده بأعمالهم ، لا بأحسابهم وأموالهم . وهذا هو النّبيّ الكريم ، حامل رسالة السّماء ، ومبعوث ربّ العالمين ، هو والنّاس عند اللّه في ميزان العمل على سواء ، كلّ مجزيّ بعمله ، من إحسان أو إساءة . ( 4 : 192 ) مكارم الشّيرازيّ : يختلف المفسّرون في توضيح المقصود من « الحساب » هنا : منهم من يقول : إنّ المقصود هو حساب رزقهم ، أي إنّهم وإن كانوا فقراء فإنّهم لا يثقلون عليك بشيء ، لأنّ حساب رزقهم على اللّه ، كما أنّك أنت أيضا لا تحمّلهم ثقل معيشتك ؛ إذ ليس من حساب رزقك عليهم من شيء . غير أنّ هذا الاحتمال يبدو بعيدا ، لأنّ الظّاهر أنّ القصد من الحساب : هو حساب الأعمال ، كما يقول كثير